ملا محمد مهدي النراقي

540

انيس المجتهدين في علم الأصول

الفرض عدم مدخليّتها في إثبات حكم الأصل القريب ؛ لأنّ معنى كونه مثبتا بالقياس لا غير أن لا يثبت في الفرع بعلّة ابتداء من دون التوصّل إلى علّة أخرى ، والتي ثبت اعتبارها فيه - وهي الثانية - لم يثبت في القياس الأوّل ، فلا مساواة في أصله وفرعه في العلّة ، فلا تعدية ؛ لأنّها تتوقّف على أن يثبت حكم الفرع بما يثبت به حكم الأصل . فهذا القياس باطل وإن جاز تعليل حكم واحد بعلّتين ؛ لأنّ الفرض عدم إمكان إثبات حكم الأصل القريب إلّا بالتوصّل إلى العلّة الثانية ، وبعد التوصّل بها إليه كانت الأولى ملغاة عديمة الأثر ؛ لأنّها تعرف بعد ما عرف تعليله بالثانية . مثاله : أن يقول المستدلّ : الجذام ينفسخ به النكاح كالقرن والرتق بجامع كونه عيبا يفسخ به البيع ، ثمّ يقيس القرن والرتق على الجبّ بجامع كونه مفوّتا للاستمتاع ، فالحكم في الفرع - وهو الجذام - إنّما يثبت بكونه عيبا يفسخ به البيع ، وفي الأصل القريب - وهو القرن والرتق - قد يثبت بفوات الاستمتاع ، فيمتنع التعدية . ومنه قياس الوضوء على التيمّم في اشتراط النيّة بجامع الطهارة ، وقياس التيمّم على الصلاة فيه بجامع العبادة . هذا . واحتجّ الخصم بمنع وجوب المساواة بين الفرع والأصل في العلّة ، وجواز إثبات الحكم في الفرع بعلّة ، وفي الأصل بأخرى ، كما يجوز إثباته في الفرع بدليل هو القياس ، وفي الأصل بآخر هو النصّ أو الإجماع ، وعدم مانع سواه « 1 » . وجوابه : الفرق بين العلّة والدليل بأنّه يلزم من عدم المساواة في العلّة امتناع التعدية وبطلان القياس كما عرفت « 2 » بخلاف اختلاف الدليلين . هذا . واعلم أنّ المتنازع هو حكم الأصل الذي قبله المستدلّ ومنعه المعترض ، كما تقدّم . وأمّا إن كان بالعكس ، فلا خلاف في فساد القياس ؛ لأنّه يتضمّن اعتراف المستدلّ بالخطإ في الأصل ، والاعتراف بفساد إحدى مقدّمات الدليل يوجب الاعتراف بفساده ، ولا يسمع من المدّعي ما اعترف بفساده .

--> ( 1 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 215 و 216 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 297 و 311 . ( 2 ) . تقدّم في ص 539 .